الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

312

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

هذا وأن الناس في إدراكهم لذواتهم المقدسة على طبقات ثلاث : الأولى : من كان نور عقله ضعيفا جدّا كأغلب المحجوبين على معرفتهم بالنورانية ، فهذه الطبقة ينظرون إليهم بالعقل المنحط الضعيف فيميزونهم بلحاظ هياكل البشرية ، غاية الأمر الكاملة ، ولا معرفة لهم بأنهم عليهم السّلام في عالم القرب الذي ليس فوقه قرب فهم حينئذ يقولون : إن الأئمة عليهم السّلام يعلمون الغيب بلحاظ ثبوته لهم بالآيات والأخبار فيميزون الأئمة عليهم السّلام بذاتهم عن تلك الحقائق الغيبية . الثانية : من كان نور عقله بنحو الاستواء أي بلغ من الكمال بحيث فاق أقرانه ، وعرف منازلهم ومعارفهم ومقاماتهم فهؤلاء يجدون أنهم عليهم السّلام نفس العلم الغيبي المتقدم آنفا بيانه ، وعرف أنهم عليهم السّلام نفس خزائن الغيب ، وهم عليهم السّلام مفاتيحه التي لا يعلمها إلا اللَّه ، ومن هذه الآية بلحاظ هذا المعنى أنه لا يعلم أحد حقيقتهم النورانية الغيبية إلا أنا وأنت ، وإن لي حقا لا يعرفه إلا اللَّه وأنت ، وإن لك حقّا لا يعرفه إلا اللَّه وأنا " . الثالثة : من كان نور عقله بنحو يلاحظ تلك الذوات المقدسة مع ما لها من المقام المنيع منسوبة إليه تعالى ، فحينئذ يلاحظ علمهم وحقيقتهم بالنسبة إليه تعالى فلا محالة ينفي عنهم ما هو ثابت لذاته المقدسة تبارك وتعالى ، فحينئذ يقول : إنهم عليهم السّلام لا يعلمون الغيب ( أي بلحاظ ذاته المقدسة تبارك وتعالى ) كما تقدم ، وإليه يشير قوله تعالى : قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا اللَّه 27 : 65 . ثم إن المؤمن الممتحن من نظر إليهم عليهم السّلام بهذه العقول الثلاثة ، أي تارة ينظر إليهم بما هم بشر فوق كلّ بشر فيقول : هم يعلمون الغيب نظرا إلى الآيات والأخبار المثبتة لهم ذلك ، وتارة ينظر إليهم بلحاظ مقامهم المنيع النوراني فيقول : هم نفس الغيب ، وتارة ينظر إليهم بلحاظ نسبتهم إليه تعالى فيقول : إنهم لا يعلمون الغيب وهم عليهم السّلام بهذه المنزلة أي في حد الواجب والإمكان يستفيدون العلم منه تعالى ، وإليه يشير ما تقدم من قولهم : " إنما العلم ما يحدث ساعة بعد ساعة ، " وقوله عليه السّلام :